صديق الحسيني القنوجي البخاري
221
فتح البيان في مقاصد القرآن
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ أي إذا أردتم القيام تعبيرا بالمسبّب عن السبب كما في قوله : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ النحل : 98 ] لأن القيام متسبب عن الإرادة والإرادة سببه ، والمراد بالقيام الاشتغال بها والتلبس بها من قيام أو غيره . وقد اختلف أهل العلم في هذا الأمر عند إرادة القيام إلى الصلاة فقالت طائفة هو عام في كل قيام إليها سواء كان القائم متطهرا أو محدثا فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وهو مروي عن علي وعكرمة ، وهذا القول يقتضي وجوب الوضوء عند كل صلاة وهو ظاهر الآية ، وإليه ذهب داود الظاهري ، قال ابن سيرين : كان الخلفاء يتوضؤن لكل صلاة . وقال طائفة أخرى : إن هذا الأمر خاص بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو ضعيف ، فإن الخطاب للمؤمنين والأمر لهم ، وقالت طائفة : الأمر للندب طلبا للفضل ، وقال آخرون إن الوضوء لكل صلاة كان فرضا عليهم بهذه الآية ثم نسخ في فتح مكة . وقال جماعة : هذا الأمر خاص بمن كان محدثا ، وقال آخرون : المراد إذا قمتم من النوم إلى الصلاة فيعم الخطاب كل قائم من نوم ، وقد أخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن بريدة قال : كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد ، فقال له عمر : يا رسول اللّه إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال : « عمدا فعلته يا عمر » « 1 » ، وهو مروي من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى . وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة قال : قلت فأنتم كيف كنتم تصنعون ؟ قال : كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث « 2 » . فتقرر بما ذكر أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث ، وبه قال جمهور أهل العلم وهو الحق ، وقد جمع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم الخندق أربع صلوات
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الطهارة حديث 86 ، وأبو داود في الطهارة باب 65 ، والترمذي في الطهارة باب 45 ، والنسائي في الطهارة باب 100 ، وأحمد في المسند 5 / 350 ، 351 ، 358 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الطهارة باب 44 ، والنسائي في الطهارة باب 100 ، وابن ماجة في الطهارة باب 73 ، وأحمد في المسند 3 / 132 ، 194 ، 260 .